البساطة العميقة في الشعر الحساني (لغن)

بقلم: سيدي عبد الله ولد الحسن
من المعروف أن الفصاحة والبيان دعامتان أساسيتان في توصيل الأفكار للآخرين من خلال الكلام العادي أو الأدب بشتى مجالاته فغاية المتحدث هي أن يُفهم ما يقول على الوجه الذي أراد هو أن يفهم عليه، ويتباين الخطباء والشعراء في قدرتهم على توصيل أفكارهم للمتلقين فمنهم من يفلح ببساطة عبارته وحلاوة لفظة في امتلاك القلوب قبل الآذان ليبث فيها مغزى كلامه وإن بعدت،
فبحرفيته في تناول المواضيع يقرب البعيد من الأفكار ويلين الشديد من المعارف ليصبح في متناول الجميع على تفاوت ملكاتهم الفطرية وأرصدتهم المعرفية
وسنتناول في هذا الموضوع * البساطة العميقة في الشعر الحساني " لغنَ " * وهي أن يتمكن " لمغني " من الإتيان بفكرته العميقة والمبدعة بأسلوب بسيط اللفظ جزْل العبارة قريب المأخذ وسنبدأ معالجة هذا العنوان بطلعة الأديب الكبير الشيخ ول مكينْ التي يقول فيها
اغفــرلِ يالشفــــــاع دهْرْ امْضَ من لوْجاعْ
باجَّالَ دهْــرْ اكــراعْ لعجولْ انخوظْ ازْمانْ
اخـــلاگِ فالتليـــــاعْ منُّ والفِگْدْ اگْـــــرانْ
واغْفــرْ دارْابلفْــراعْ وادْوَيْرِتْ بِالنِّعْمـــانْ
اغفــرْهَ هيَ گــــــاعْ افصلْهَ فالغفـــــــرانْ
فهذه الطلعة بسيطة الألفاظ أنيقة الأسلوب وعذبة المقصد فالشاعر عبر فيها عن فترة من عمره انقضت بملاعب شتي كان فيها يستمتع بما أتاحه الدهر له من أنس و وصال مع من يعْذبُ وصاله من أحبة مفتتحًا "الطلعة " بطلب الغفران من الله على ما اقترفه في تلك الملاعب من طيش مستحضراً قول الشاعر:
" لئن جنيت على نفسي سأعترف * قد يغفر الله للعشاق ما اقترفوا" .
ومن أعذبِ ما جاء في الموضوع قول المصطفى ول الفغ اعمر:
تاسدبيتِ منْ عنــــــدْ الدشــرَ متفكـــــــدْ
عنِ خظتْ اعلَ غردْ اجَبق لَصْفِـــــــرارْ
وامشيتْ ؤُكنت انكـدْ نعطِ ليلَ وانهــــــارْ
غيـرْ اتْشيْبيــــنْ إردْ عنْ ياسر منْ شِ سارْ
يـــلاّلِ مثقــلْ حــــدْ ماهُ مخصورْ اخبـــارْ
وهذا غاية في السلاسة والإمتاع فمن سردهِ المحترف إلى لفظه القريب الرائق و رصانته المجلجلة، ولعل خاتمته الظريفة اللطيفة هي ما يفسر للسامع خلاصة ذلك السرد المتسلسلة لقصة الأديب عشية خروجه من المدينة ومروره بِ " غرد اجبقْ " عند الغروب وهو المكان المحبب إليه والذي كان بإمكانه أن يبيت فيه ويقيل لولا العمر، إن العمر لم يعد يسمح بدخول مغامرات كتلك التي خطرت ببال الشاعر قبل أن يسلم أفكاره للواقع الذي يفرض الاستقامة وتغليب العقل.
ويقول الأديب الكبير سيديا ول هدار:
ابْـلَدْ عتِّ فِيــــهْ انْجَوْلِيـــهْ مَا عَيْنِ فـابْلَدْ عـتِّ فِيهْ
ابْـلَدْ عتِّ فِيـــهْ اشْلِ بِيـــهْ نَاترْ عَنّـــكْ ذِيكْ النَّتْــــرَ
مَرْجَعْ فَـاخْبَاركْ مَا نسْمِيهْ خَايفْ منْ شِ ثَانِ يَجْــرَ
أُلاَ كَطْ ابْـلَخْبَارْ الْحَكْتــــكْ خَوْفْ اتْشـكِّ عَنْهَ فخْــرَ
بيَّ تبْرِيمتْ مَظْحَكْتـــــــكْ لخْرَ عَـنْ مَظْحَكْتكْ لخْــرَ
و لو عُرف السبب لبطل العجب كما يقال وإنه لمن العجب بمكان ما ذكر الشاعر في ختامه لقطعته الرائعة من تبريره للموقف الذي أخذه من محبوبته وهنا لابد من الإشارة إلى أن الأسلوب الذي انتهجه الشاعر أسلوباً جميلا يعتمد على عدم المباشرة في الخطاب وتحميل الألفاظ معاني ربما تكون مقابلة لمعانيها الأصلية وذلك ما يسمي ب " المڭفي " في اللهجة الحسانية.
وسنختتم هذه المعالجة المقتضبة للموضوع بمجموعة من " الڭفان " نبدؤها بالڭاف الشهير الذي لا يحضرني قائله الآن والذي يقول فيه:
أڭبيل أدحميـــــس بنتِ وأبلڭْـ ذاك أبليسْ
يحركْ بي أبليس وأنتِ واكبيل الدحميسْ
ويقول الأديب عبد الله السالم ول المعلى في ڭاف يضيق المقام عن الإتيان بطلعته
واللهْ ما تمشي ما فتــــنَ ڭعدنَ لخبار أعـــلَ شِ
واللهْ زادْ إلا ڭعــــــــدنَ لخبار اعلَ شِ ما تمشِ
ويقول الأديب محمد ولد محمدُ ولد عالي:
واللهِ يامنيـــــــــــنْ اتلفتْ اعلَ دارْ امشيرعْ لحجارْ
الَّ خفتْ امنْ النارْ اخفتْ امنْ النارْ اخفتْ امنْ النارْ
وتجد الإشارة إلى أن الأمثلة التي أوردنا في هذه المعالجة جمعت ابتوته من لغن وربما نعود لنعالج هذا الموضوع بأمثلة من بحر آخر إن شاء الله وفي النهاية تقبلوا تحياتي.